آقا بزرگ الطهراني
545
طبقات أعلام الشيعة
كان الشيخ النوري أحد نماذج السلف الصالح التي ندر وجودها في هذا العصر ، فقد امتاز بعبقرية فذة ، وكان آية من آيات اللّه العجيبة ، كمنت فيه مواهب غريبة وملكات شريفة أهلته لان يعدّ في الطليعة من علماء الشيعة الذين كرّسوا حياتهم طوال أعمارهم لخدمة الدين والمذهب ، وحياته صفحة مشرقة من الأعمال الصالحة ، وهو في مجموع آثاره ومآثره ، انسان فرض لشخصه الخلود على مرّ العصور والزم المؤلفين والمؤرخين بالعناية به والإشادة بغزارة فضله ، فقد نذر نفسه لخدمة العلم ولم يكن يهمه غير البحث والتنقيب والفحص والتتبع ، وجمع شتات الاخبار وشذرات الحديث ونظم متفرقات الآثار وتأليف شوارد السير ، وقد رافقه التوفيق واعانته المشيئة الإلهية ، حتى ليظن الناظر في تصانيفه ان اللّه شمله بخاصة الطافه ومخصوص عنايته ، وادّخر له كنوزا قيمة لم يظفر بها أعاظم السلف من هواة الآثار ورجال هذا الفن ، بل يخيل للواقف على امره ان اللّه خلقه لحفظ البقية الباقية من تراث آل محمد عليه وعليهم السلام ( وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه واسع عليم ) . تشرفت بخدمته للمرة الأولى في سامراء في ( 1313 ) بعد وفاة المجدد الشيرازي بسنة وهي سنة ورودى العراق ، كما انها سنة وفاة السلطان ناصر الدين شاه القاجاري ، وذلك عندما قصدت سامراء زائرا قبل ورودى إلى النجف فوفقت لرؤية المترجم له بداره حيث قصدتها لاستماع مصيبة الحسين عليه السلام وذلك يوم الجمعة الذي ينعقد فيه مجلس بداره ، وكان المجلس غاصا بالحضور والشيخ على الكرسي مشغول بالوعظ ، ثم ذكر المصيبة وتفرق الحاضرون ، فانصرفت وفي نفسي ما يعلمه اللّه من اجلال واعجاب واكبار لهذا الشيخ إذ رأيت فيه حين رأيته سمات الأبرار من رجالنا الأول . ولما وصلت إلى النجف بقيت امنى النفس لو أن تتفق لي صلة مع هذا الشيخ لاستفيد منه عن كثب ، ولما اتفقت هجرته إلى النجف في « 1314 » لازمته ملازمة الظل ست سنين حتى اختار اللّه له دار اقامته ، ورأيت منه خلال هذه المدة قضايا عجيبة لو أردت شرحها لطال المقام ، وبودي ان اذكر مجملا من ذلك ولو كان في ذلك خروج عن خطتنا الايجازية ؛ فهذا - وأيم الحق - مقام الوفاء ؛